فوزي آل سيف

30

سيد الجنة : الإمام الحسن بن علي

مع تقدم الإنسان في العلم والمعرفة، ومع سيادة شيء من التحضر، توصل البشر إلى أن أخذ الإنسان لمصالحه، وحقوقه، بالقوة، يؤدي إلى خسائر عظيمة لدى الإنسانية، نظرا لتطور الأسلحة، التي أصبحت تبيد مئات وألوفا وعشرات الألوف. لم يعد هذا الطريق، في نظر البشر منسجمًا ومتلائمًا مع الحالة الإنسانية، التي تطور إليها الإنسان، وأصبح هناك بديل آخر، وهو أن تسعى الجماعات والدول والقبائل للحصول على حقوقها من خلال التفاوض والتفاهم والاتفاق. فإن هذا كلفته قليلة وفي نفس الوقت، من كان أكثر ذكاء، وأكثر حكمة، وأكثر صبرا وقدرة على إبداء حجته، هو الذي ينتصر في النهاية، فما عادت القوة إلا لخدمة المفاوضات، ما عادت القدرات العسكرية نافعة لو لم يكن وراءها، قدرة سياسية ودبلوماسية وقانونية، قادرة على أن تستفيد من الظرف، ولذلك، أصبح في عالم اليوم مثلا وزير الخارجية، أكثر أهمية من وزير الدفاع، مع أن هذا وزير الخارجية، في كل بلد، لا يملك حتى مسدسا، ولكن وزير الدفاع، في كل بلد، لا سيما الدول العظمى، يمتلك مئات الطائرات وآلاف الدبابات وما شابه ذلك. ولكن دور ذلك الوزير المجرد عن السلاح أقدر على في نفع بلده من هذا الوزير المسلح. وهذا راجع إلى أن البشر التفت إلى أن القوة الحقيقية هي قوة أن يقنع هذا الطرف ذاك الطرف، وأن يدير أمر المفاوضات معه بشكل سليم، لا تحل القضايا على طريقة البشر الأقدمين، من كان يملك سلاحا أقوى يستخدمه فورا، فيبيد هذا الجنس، أو هذه الفصيلة أو هذا المجتمع. لو أردنا أن نبني على هذه المقدمة، سوف نرى أن وثيقة الصلح التي عقدها الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه، مع معاوية بن أبي سفيان، من أكثر الوثائق ذكاء وحكمة، بدت فيها قدرة الإمام الحسن عليه السلام في أن يقرر ولو على سبيل النظرية والاتفاق القانوني، أن يستحصل كل ما كان يريد، وأن يمنع خصمه عن تحقيق ما كان يريد. لعلك تقول: لكن هذا لم يتم على أرض الواقع![77]لأن معاوية لم يفِ وولم يلتزم بما كان قد وقع عليه. والجواب على ذلك: هي مرحلتان: الأولى: أن تصوغ وثيقة قانونية وافية بما تريده من مطالب. والثانية: أن يلتزم بها الخصم وأن يطبقها. ولا شك أن الأمر الأول هو بيدك، لكن الأمر الثاني، ليس كذلك، فلا أحد يستطيع في أي مجتمع، أن يقول: أنا أستطيع أن أضمن أن الطرف الآخر، سيلتزم بهذا الاتفاق إلى آخر عمره. ذلك أنه بعدما وقع الاتفاقية قد تحصل ظروف يتغير رأيه. يتغير الحكم، تتغير الاتفاقية، يقوى ويرى نفسه كان مرغما

--> 77 ) هذا بالطبع وفقا للنظرية المشهورة في التاريخ، دون النظرية التي قدمها السيد البدري والتي عرضناها في الصفحات الماضية والتي تشير إلى أنه حصل إلزام لمعاوية طيلة مدة حياة الإمام الحسن، وأنه لم يتم نقض معاهدة الصلح عمليا بالمستوى الواسع إلا بعد شهادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.